في مساء الحنين أعتذر عن كل أخطائي

avatar_640
مازن صافي
منذ عامين
3

في مساء الحنين أعتذر عن  كل أخطائي

 

في هذا المساء، شعرت بالحاجة لترتيب أفكاري، لدي مشكلة عنوانها "من أين أبدأ ..؟!"، أريد مغادرة نفسي لأتمكن من رؤية العالم الخارجي، لأتعرف على حالات الطقس في مزاجي، كمهاجر مغربي يتصفح جهازه المحمول ليعرف لأحوال الطقس في اغادير . أعتقد أن هذا أول ما يمكن البدء به، أن أرى الحياة بألوانها لا بمزاجي، أتنقل فيها بمرونة دون إندفاع، وبمغامرة دون تهور، وبحب دون إسفاف، وكأنني أقرأ رواية "ليل لا ينتهي" الأجمل من بين روايات اجاثا كريستي، .أبحث عن ضوء الشمس لينتهي ليل قلقي الطويل,

نعم أحتاج للخروج من قوقعة الماضي، والموروث من نصائح الصانع والبائع والأم والأب والجيران، لماذا أدفع ثمن تجارب غيري..؟!، ولماذا أدفع ثمن الظروف الاجتماعية والثقافية والنفسية الجماعية، فلقد خلقنا الله وميزنا عن سائر مخلوقاته، وميز كل منا عن الآخر، فمن يمتلك بصمة تشبه تماما بصمة غيره، لا أحد ..!! هنا أريد البحث عن بصمتي، أن أؤثر فيك وأن تؤثر فيَّ. ففي اللقاء الأخير الذي جمعنا، قررت أن أنصت كثيرا، وأتكلم قليلا، كنت أسأل نفسي الأسئلة الخمسة والتي تبدأ بماذا ومن ومتى وأين ولماذا، كنت أتعمق في كل حركة وايماءة منك، بل كنت أتابع مخارج الحروف المنطوقة منك، لقد اكتشفت أنني أعرفك للمرة الأولى، وكما تأكدت أن رأي المطلق لا يملك القدسية، لأنه في أحيان ما، صنيع ذلك اللون الداكن الذي وضعته فوق قناعاتي، فشوهت جمال اللحظات وحتى عذوبة الاختلافات، وأغلقت النوافذ الضيقة بأفكار أكثر ضيقا، أعترف الان أمامك أن هذا المساء مختلف، فيه حنين كبير للعودة لسنوات خلت، وتنفس هواء أنقى وواقع أفضل، ومساءات أجمل.   

أتمنى لو كان لدّي المزيد من الطاقة والامكانيات، لأضعها تحت تصرفك، وأمنحك حق التصرف في صوت الإحساس النابض فينا، وإعادة تشكيل حروفنا على ضفاف نهر عذب لنا يحمل أسامينا، وصفاتنا، أتمنى لو استطيع استجماع كل قدراتي لأعيد عقارب الساعة حيث احترقت أوراقنا ذات مساء. لا أدري حقا ماذا أقول؟ لذا فكرت ألا أبعث لك هذه الرسالة، لئلا تظنيها أسلوبا جديدا آخر في الهروب، ولازلت أذكرك وأنت تصرخين في وجهي: " أنت طفل شقي لا ترتاح حتى تهدم حياتك بيدك !! وأنا العاجز كنت أعتقد أنني أنقذك من هذياني وجنوني، لذلك قررت أن أغادرك وأرفض البقاء في حياتك وحياتي، كنت أعتقد أنني أحافظ عليك وعليَّ ؟! كيف تصدقين الآن أنني كنت أبحث عن أي وسيلة تنقذك من كوابيس المستقبل وألا أجعل من حبنا حكاية سهلة يقرأها الجميع. أعترف بعد فوات الأوان أنني قد فشلت، وما أكتبه اليوم اعتذارا من كل شيء، أسفا على كل شيء،  ولا أصدق اليوم ما يقال: " الحب هو ألا نقول أبداً أننا آسفون ؟! ". كنت أعتقد أننا سعداء بهذا الفراق الكبير، لكني أكثر العشاق حزنا، وأكثرهم غرقا في المرارة والدموع، ولازلت أبحث عن عقارب الساعة المتكسرة، كي أعيدها إلى حيث كنا لنعيد ويبقى ويحيا الحب،  ولا نكن أبدا آسفين على الإطلاق.

سيأتي زمن لا تنفعني فيه الكتابة، ولا تنقذني فيه الخواطر ولا السفر، لكنني اليوم ارفض أن تساعديني، وأرفض أن تشفقي على زمني، فالألم الحقيقي لا يُحكى. صدقيني، لا شيء يعيد للزهرة نضارتها، ولا للعشب طراوته، وإن ما مضى قد مضى، فلنعش على ما تبقى لنا من ذكريات صغيرة وجميلة. أكثر من صديق واحد، رأيته يحزم ذكرياته وقصصه القصيرة ويرحل عني، وحينما أحزم همومي وذكرياتي واستعد للرحيل حتى أرى وجهك في طريقي بين أمواج السحب البيض ُالبراقة تضحكين لي وتعتذرين، وأرى في عينيك الماضي: سحر عذاباته، وأحلامنا الكبيرة في أن نكون معا، أية أحلام كانت..؟! أشعر أن وجهي يباع في الشوارع والصالات الكبيرة والبيوت في مزاد علني: رأس العاشق للبيع، ثم أرى رأسي بين الخناجر والسيوف العربية القديمة والعلب الفارغة والخشب المحروق وما تبقى من أحزان " يوم الحب "، ماذا تراهم يفعلون في رأس معزول ؟؟ في مجرد رأس كان مزدحماً بالحب والترهات العتيقة. مشاعرنا أعواد ثقاب، تشتعل في مساء الفرح كما الحزن، وتسكن السبات العميق حين تبدأ أوراق الخريف في التساقط، مستعدة للرحيل، لتخلد في النسيان العميق بباطن الذكريات وأحضان السكون، لتذوب في الينابيع وتلتقي مع الأشجان والأوجاع في ملتقى الأنهار الصماء. في هذا التناغم البديع، تختلط أصوات الضجيج، مع صراخ الحلم وهدوء الحكيم، لترتوي الروح بعذب الحضور من غيوم السماء وعناق التراب، وقطع متناثرة من ثلج الفرح وبياض الأمل في نهار الغموض. ليل بارد يجتاح بقية الفزع، يكتنفه غموض القصيدة، والحروف المملة وموسيقى مهاجرة تفجر دموع الآه، وورود حزينة مخبأة في جوف الأوراق الجافة المتكسرة. وتمر القطارات سريعة تحمل القلوب والجراح وبقايا الحالمين والعاطفيين والبكائيين والنبلاء والجبناء وعابري الطريق والفقراء والأغنياء، وكل يحمل حقائبه الفارغة او الممتلئة بؤسا او أملا، حتى تقف جميعها في محطة واحدة لا تميزهم ولكنهم يذكرون بما كانوا على حافة نهر الحياة.